دروس رمضان الاقتصادية..


الدكتور أشرف محمد دوابة

أولا- تنمية الإحساس بالفقراء ومعاناتهم :

       شهر رمضان فرصة للصائم للإحساس بألم الفقير ومعاناته وحرمانه؛ فكثير من المسلمين في بقاع الأرض يفترشون الأرض، ويلتحفون السماء، ولا يجدون ما يسد رمقهم؛ فما أحوج الصائم إلى تذكر هؤلاء والتكافل معهم، والأخذ بأيديهم للرفع من مستواهم الاقتصادي، وهذا بدوره يؤدي إلى تداول المال، وقيام نوع من التوازن الاقتصادي والاجتماعي بين أفراد المجتمع {كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} (الحشر: 7) .

       لقد جعل الله من هذا الشهر الكريم موسما للخيرات ومضاعفة الحسنات، ويسر السبيل أمام المسلمين لرفع الدرجات ولو بأقل الأعمال، وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم عن رمضان :

 " من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة" (رواه ابن خزيمة) .

"من سقى صائما سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنة" (رواه ابن خزيمة).

فهلا واسيت أخي المسلم فقيراً في رمضان سواء بالمال أو الطعام أو الشراب أو حلو العشرة والكلمة الطيبة.

 لقد ثبت في "الصحيحين" من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان جبريل يلقاه كل ليلة فيدارسه القرآن، فلَرسولُ الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة" .

 فهذا الحديث يدل على زيادة جود النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان عن غيره من الشهور؛ فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو أجود الناس، ولكن أعلى مراتب جوده كانت في رمضان، وكان جوده صلى الله عليه وسلم شاملا لجميع أنوع الجود، وفي مقدمة ذلك إيصال النفع للعباد بكل سبيل وطريق، من إطعام جائعهم، ووعظ جاهلهم، وقضاء حوائجهم، وتحمل أثقالهم .ه

 ثانيا- الأمانة في العمل والإنتاج :

 شهر الصوم فرصة للنفس المؤمنة للتربية على الأمانة الإخلاص والإتقان في العمل، والتخلي عن تضيع الأوقات، وكل هذا ينعكس إيجابا على الإنتاج .

 فالصائم يعلم أن الله مطلع عليه ويعلم الجهر وما يخفى، وأن الصيام سر بين العبد وربه "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أجزي به" (رواه البخاري ومسلم)، وأن ثمرة الصيام هو التقوى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 183)، وهذا الأمر خير وسيلة للتربية على الرقابة الذاتية التي تدفعه إلى بذل المزيد في عمله واستغلال وقته أيما استغلال .

 ثالثا- تنمية الموارد البشرية :

 شهر رمضان فرصة لتدريب العنصر البشري على ضبط النفس وحسن التعامل مع الآخرين؛ وهو ما ينعكس إيجابا على نظام العمل داخل المؤسسات، وتحقيق الترابط بين أعضائها .

 يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "الصيام جُنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل، فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم، إني امرؤ صائم" (رواه البخاري ومسلم).. فهل رأيت وسيلة لضبط النفس وكبح جماحها فوق ذلك؟ .

رابعا- بركة اقتصادية وتربية استهلاكية :

 يتسم شهر رمضان بمضاعفة الخيرات، وحلول البركات؛ فهو بحق شهر البركة الاقتصادية للأمة الإسلامية، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك في قوله :

"أتاكم رمضان شهر بركة" رواه الطبراني. "يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك، شهر يزاد فيه رزق المؤمن" رواه ابن خزيمة .

 والمتدبر لآيات القرآن الكريم يجد أن هناك رباطا جليا بين التقوى والبركة ظاهر في الربط بين قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 183)، وقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} (الأعراف: 96)

ورغم البركة الاقتصادية في هذا الشهر الكريم؛ فإن الزيادة في البركة تتحول إلى الاستهلاك لا الادخار؛ فنحن أمة -للأسف الشديد- أصبح الاستهلاك ديدنها.

 وبنظرة فاحصة إلى دول جنوب شرق آسيا، نجد أن نسبة الادخار في تلك الدول تصل إلى 40%، والاستهلاك 60%، وينطبق ذلك على كل الطبقات، الأغنياء والفقراء على حد سواء، أما في بلادنا فلم تتعد هذه النسبة 15%.

 إن الاستهلاك المفرط لدى الأسر في رمضان يهدد حياتها الاقتصادية؛ حيث تشير بعض الدراسات التي أجريت عن دول الخليج أن 45% من الوجبات التي يتم إعدادها تذهب إلى صناديق القمامة .

 وتشير الإحصاءات إلى أن الاستهلاك في "شهر الصوم" يرتفع بنسبة تتراوح بين 10 و40% عنه على مدار السنة؛ فعلى سبيل المثال يمثل الإنفاق الاستهلاكي في مصر نسبة 20% من النفقات السنوية على الغذاء، بينما ترتفع تلك النسبة في السعودية لنحو 40%، وفي المغرب نحو 30%.

يأتي هذا في وقت تبلغ فيه الفجوة الغذائية في العالم العربي ما قيمته 15 مليار دولار وفق إحصائيات مجلس الوحدة الاقتصادية العربية للعام 2004م .

 ومن المعلوم أن هذه الفجوة الغذائية تعني المزيد من الاعتماد على الخارج؛ ذلك لأننا أمة مستهلكة أكثر منها منتجة. ولم نصل بعدُ إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي أو إلى مستوى معقول لتوفير احتياجاتنا الاستهلاكية اعتمادا على مواردنا وجهودنا الذاتية .

 وهذا له بُعدٌ أخطر يتمثل في وجود حالة تبعية غذائية للآخر الذي يمتلك هذه الموارد، ويستطيع أن يتحكم في نوعيتها وجودتها ووقت إرسالها إلينا. ومن ثم كان للاستهلاك أبعاد خطيرة كثيرة تهدد حياتنا الاقتصادية، وتهدد أيضا أمننا الوطني .

 إنه شهر الاقتصاد

إن المنطق الرياضي يشير إلى أن رمضان شهر الاقتصاد؛ فنسبة الاستهلاك في هذا الشهر ينبغي أن تنخفض إلى الثلث، باعتبار تخفيض عدد الوجبات من ثلاث وجبات في الأيام العادية إلى وجبتين في ذلك الشهر الكريم .

فهذا الشهر فرصة ومجال لامتلاك إرادة التصدي لحالة الاستهلاك الشرهة التي تنتابنا في هذا الشهر الكريم، وتحقيق التربية الاستهلاكية من خلال القاعدة القرآنية الإرشادية المعروفة: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا} (الأعراف: 31) هذه القاعدة لا شك هي ميدان الترشيد على المستوى الفردي والمستوى العام .

إن رمضان محاولة لصياغة نمط استهلاكي رشيد وعملية تدريب مكثّف تستغرق شهرا واحدا، تُفهم الإنسان أن بإمكانه أن يعيش بإلغاء الاستهلاك، استهلاك بعض المفردات في حياته اليومية ولساعات طويلة كل يوم .

 وذات يوم أوقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه ابنه عبد الله رضي الله عنهما وسأله: إلى أين أنت ذاهب؟! فقال عبد الله: للسوق، وبرر ذلك بقوله: لأشتري لحما اشتهيته، فقال له الفاروق: أكلما اشتهيت شيئا اشتريته .

 إن الإسراف في كل شيء ممقوت حتى مع السعة؛ فقد جاء التوجيه النبوي لمن أراد الوضوء بعدم الإسراف في الماء ولو كان على نهر جار.. إنها حكمة اقتصادية خالدة وقاعدة استهلاكية رشيدة.. ومن وصايا الرسول الكريم في مجال الإنفاق الاعتدال : "ما عال من اقتصد" (رواه أحمد)، وجاء في الأثر عن يوسف عليه السلام : أنه لما صار أمينًا على خزائن الأرض ما كان يشبع قط؛ فلما سُئل عن ذلك قال: أخاف إن شبعت أن أنسى الجياع.

 وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يفطر على رطبات إن وجدها، فإن لم يجدها فعلى حسيات من ماء، وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتخذ شهر رمضان ترويضًا وتربية للنفس، لا كما نفعل نحن من تخمة أنفسنا بالملذات من مآكل ومشارب، تحرك الجوارحَ إلى المعاصي، وتثقلُها عن الطاعات، وتستهلك الأموال، وتضيع الأوقات في الأسواق .

 لقد عرفت الأمة الإسلامية الجوع كوسيلة من الوسائل التربوية التي تعين على التقشف وتحمل الأزمات وإحسان العبادة لله؛ فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته والخلفاء الراشدون رضي الله عنهم جميعًا من بعده يبيتون الليالي الطوال جائعين يشدون الأحجار على بطونهم الخاوية، ولا يأكلون إلا ما يأكل سائر الناس .

 فأين أمتنا من تلك النماذج العملية وهي تترف في النعيم وتنفق بغير حساب، وكأنها حلت أزماتها، وتقدمت على غيرها من الأمم، وتحقق لها السيادة والريادة، ناسية أو متناسية أنها ما زالت تعيش في غيابات الجهل والفقر والتخلف والأزمات الاقتصادية الطاحنة والمتلاحقة؟!!.

 وختاماً.. فإن المسلم يجب أن  يؤمن  أن له وقْفَة مع الله سبحانه وتعالى يحاسبه عن هذا المال من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه؟!

 ولو قدر لهذه الأمة جمع ما تنفقه من أموال على الأمور التافهة في صندوق موحد ثم أنفق هذا على إزالة أسباب الفقر والبؤس من حياة الناس؛ لصلحت الأرض، وطاب العيش فيها، وأصبح كل امرئ راضيا مرضيا.

*نقلا عن موقع مركز أبحاث فقه المعاملات الإسلامية

اخبار ذات صلة